محمد بن جرير الطبري

452

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

صلى الله عليه وسلم : أنّ الله جل ثناؤه قال للملائكة : " إني جاعل في الأرض خليفة " . قالوا : ربنا وما يكون ذلك الخليفة ؟ قال : يكون له ذُرّيةٌ يُفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضًا ( 1 ) . فكان تأويل الآية على هذه الرواية التي ذكرناها عن ابن مسعود وابن عباس : إني جاعل في الأرض خليفةً منّي يخلفني في الحكم بين خلقي . وذلك الخليفة هو آدمُ ومن قام مقامه في طاعة الله والحكم بالعدل بين خلقه . وأما الإفساد وسفك الدماء بغير حقها ، فمن غير خلفائه ، ومن غير آدم ومن قام مقامه في عباد الله - لأنهما أخبرَا أن الله جل ثناؤه قال لملائكته - إذ سألوه : ما ذاك الخليفة ؟ = : إنه خليفة يكون له ذُرّية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضًا . فأضاف الإفساد وسفك الدماء بغير حقها إلى ذُرّية خليفته دونه ، وأخرج منه خليفته . وهذا التأويل ، وإن كان مخالفًا في معنى الخليفة ما حكي عن الحسن من وجه ، فموافق له من وجه . فأما موافقته إياه ، فصرْفُ متأوِّليه إضافة الإفساد في الأرض وسفك الدماء فيها إلى غير الخليفة . وأما مخالفته إياه ، فإضافتهما الخلافة إلى آدم ( 2 ) بمعنى استخلاف الله إياه فيها . وإضافة الحسن الخلافةَ إلى ولده ، بمعنى خلافة بعضهم بعضًا ، وقيام قرن منهم مقام قرن قبلهم ، وإضافة الإفساد في الأرض وسفك الدماء إلى الخليفة . والذي دعا المتأوِّلين قولَه : " إني جاعلٌ في الأرض خليفة " - في التأويل الذي ذُكر عن الحسن - إلى ما قالوا في ذلك ، أنهم قالوا إن الملائكة إنما قالت لربها - إذ قال لهم ربهم : " إني جاعلٌ في الأرض خليفة " - : " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " ، إخبارًا منها بذلك عن الخليفة الذي أخبرَ الله جل ثناؤه أنه

--> ( 1 ) الأثر : 605 - في ابن كثير 1 : 127 . ( 2 ) في المطبوعة : " فإضافتهم " ، والصواب ما في المخطوطة ، ويعني بهما ابن مسعود وابن عباس كما مضى آنفًا .